عبد الوهاب الشعراني

419

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

الكبائر والمكروهات فيكون على قياسه حكم الماء المستعمل حكم النجاسة المتوسطة بين المغلظة والمعفو عنها ، وأما وجه الرواية الثالثة من قول الإمام أبي حنيفة ومن وافقه رضي اللّه عنه : فهو أن إحسان الظن بالمسلمين واجب بالأصالة ولأن الأصل عدم ارتكاب المتطهرين للكبائر والصغائر أو أنهم ارتكبوها وكفرت عنهم بأعمال أخر ، فما أتوا الماء للطهارة إلا وليس عليهم خطيئة اللهم إلا أن يشاهد إنسانا زنى مثلا ولم يتب فورا ولم يعمل أعمالا تكفر عنه من جناه فهذه ربما يندب للمتورع أن يجتنب ماء طهارته لأن ماءه كماء أهل الرواية الأولى ، فرضي اللّه تعالى عن الإمام أبي حنيفة ما أدق نظره وما أنصحه لدين اللّه لعباده رضي اللّه عن بقية المجتهدين آمين . ثم لا يخفى أن التراب قائم مقام الماء عند فقده فلا يقال : إنا أسقطنا الكلام على التيمم كما لا يقال : إنا أسقطنا الكلام على مسح الخف لأنه لا بد من غسل الرجلين أو مسح الخفين واللّه تعالى أعلم . فقد بينا لك وجه تعلق الحدث والطهارة بالأكل فتأمله فإنه نفيس . وأما وجه تعلق مشروعية الصلاة بأنواعها بالأكل من شجرة النهي كل أحد بما يليق بحاله من ارتكابه محرما أو مكروها أو بخلاف الأولى فهو أن تعلم أن الصلاة ما شرعت إلا توبة واستغفارا أو تقربا إلى اللّه تعالى ، وفتحا لباب رضا الحق سبحانه وتعالى عنا حين أكلنا من شجرة النهي أو هممنا به ، فشرع تعالى لنا الصلاة فرضها ونفلها تكفيرا لذلك وفي الحديث تقول الملائكة عند دخول وقت الصلاة : يا بني آدم قوموا إلى ناركم التي أو قدتموها فأطفئوها وقد جمع لما ألحق تعالى في الصلاة جميع عبادات الملأ الأعلى والأسفل لمن يعقلها . ( فإن قلت ) : فما وجه تكرارها في الليل والنهار ؟ ( فالجواب ) : وجهه حتى يتذكر العبد ما جناه من المعاصي والشهوات والغفلات من الصلاة إلى الصلاة كلما توضأ أو صلّى فيتوب ويستغفر داخل الصلاة وخارجها فلو كشف للمصلي لرأى ذنوبه تتحدر يمينا وشمالا عنه في حال قيامه وركوعه فلا يصل إلى حضرة السجود التي هي أقرب ما يكون العبد من شهود ربه وعليه خطيئة واحدة فيناجي ربه عزّ وجلّ في سجوده وهو طاهر مطهر من الذنوب . ( فإن قلت ) : فإذا كان لا يصل إلى السجود حتى لا يبقى عليه خطيئة إلا كفرت بالأفعال